محمد بن محمد النويري
42
شرح طيبة النشر في القراءات العشر
--> ولا يحمل نفسه ما لا تطيق مخافة الملل ، وهذا يختلف باختلاف الناس . وإذا جاء مجلس الشيخ فلم يجده انتظره ولا يفوت درسه إلا أن يخاف كراهة الشيخ لذلك ، بأن يعلم من حاله الإقراء في وقت بعينه فلا يشق عليه بطلب القراءة في غيره . قال الخطيب : وإذا وجده نائما لا يستأذن عليه ، بل يصبر حتى يستيقظ أو ينصرف والاختيار الصبر ، كما كان ابن عباس والسلف يفعلون . وإذا بحث المختصرات ، انتقل إلى بحث أكبر منها مع المطالعة المتقنة ، والعناية الدائمة المحكمة ، وتعليق ما يراه من النفائس والغرائب وحل المشكلات مما يراه في المطالعة أو يسمعه من الشيخ . ولا يحتقرن فائدة يراها أو يسمعها في أي فن كانت ؛ بل يبادر إلى كتابتها ثم يواظب على مطالعة ما كتبه ، وليلازم حلقة الشيخ ، وليعتن بكل الدروس ، ويعلق عليها ما أمكن ، فإن عجز اعتنى بالأهم ، ولا يؤثر بنوبته ، فإن الإيثار بالقرب مكروه ، فإن رأى الشيخ المصلحة في ذلك في وقت فأشار به امتثل أمره . وينبغي أن يرشد رفقته وغيرهم من الطلبة إلى مواطن الاشتغال والفائدة ، ويذكر لهم ما استفاده على جهة النصيحة والمذاكرة ، بإرشادهم يبارك له في علمه ، ويستنير قلبه ، وتتأكد المسائل معه ، مع جزيل ثواب الله - عز وجل - ومتى بخل بذلك كان بضده ، فلا يثبت معه ، وإن ثبت لم يثمر ، ولا يحسد أحدا ولا يحتقره ، ولا يعجب بفهمه . وينبغي أن يطهر قلبه من الأدناس ليصلح بقبول العلم وحفظه واستثماره ، ففي الصحيحين عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه ، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ، ألا وهي القلب » . وقالوا : تطبيب القلب للعلم كتطبيب الأرض للزراعة وينبغي أن يقطع العلائق الشاغلة عن كمال الاجتهاد في التحصيل ، ويرضى باليسير من القوت ، ويصبر على ضيق العيش . قال الشافعي - رحمه الله تعالى - : لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح ، ولكن من طلبه بذل النفس ، وضيق العيش ، وخدمة العلماء أفلح . وقال - أيضا - : لا يدرك العلم إلا بالصبر على الذل . وقال - أيضا - : لا يصلح طلب العلم إلا لمفلس ، فقيل : ولا الغنى المكفى ؟ فقال : ولا الغنى المكفى . وقال مالك بن أنس - رحمه الله - : لا يبلغ أحد من هذا العلم ما يريد حتى يضر به الفقر ، ويؤثره على كل شئ . وقال أبو حنيفة - رحمه الله - : يستعان على الفقه بجمع الهمم ، ويستعان على حذف العلائق بأخذ اليسير عند الحاجة ولا يزيد . وقال إبراهيم الآجري : من طلب العلم بالفاقة ورث الفهم . وقال الخطيب البغدادي في كتابه : الجامع لآداب الراوي والسامع : يستحب للطالب أن يكون عزبا ما أمكنه ؛ لئلا يقطعه الاشتغال بحقوق الزوجة ، والاهتمام بالمعيشة ، عن إكمال طلب العلم ، واحتج بحديث : « خيركم بعد المائتين خفيف الحاذ » ، وهو الذي لا أهل له ولا ولد . وعن إبراهيم بن أدهم - رحمه الله - : من تعود أفخاذ النساء لم يفلح ، يعنى : اشتغل بهن . وهذا في غالب الناس لا الخواص . وعن سفيان الثوري : إذا تزوج الفقيه فقد ركب البحر ، فإن ولد له فقد كسر به . وقال سفيان لرجل : تزوجت ؟ فقال : لا ، قال : ما تدرى ما أنت فيه من العافية . وعن بشر الحافي - رحمه الله - : « من لم يحتج إلى النساء فليتق الله ولا يألف أفخاذهن » . قلت : هذا كله موافق لمذهبنا ، فإن مذهبنا أن من لم يحتج إلى النكاح استحب له تركه ، وكذا إن